تعرف العنوسة بشكلها الدارج والتبسيطي بأنها (تأخر سن الزواج "خاصة للفتيات"), وتعد هذه القضية من أبرز المشاكل الاجتماعية الأزلية التي تؤرق الكثير من البيوت العربية ومعها الباحثين والمختصين وأصحاب القرار ومن ثم فهي قضية اجتماعية بامتياز.
وأصبحت هذه المشكلة "القضية" تشكل هاجساً اجتماعياً في معظم المجتمعات العربية وإن كانت تتراوح فيها الواحدة عن الأخرى بنسب متفاوتة, لما تتميز به هذه المجتمعات كجزء من المجتمعات الإسلامية والشرقية بالتحديد من خصوصية, بمحافظتها على قيم أخلاقية توجب على الشاب والفتاة الارتباط بعلاقة شرعية حددها الدين الاسلامي الحنيف, في إطار مؤسسة الزواج دون سواها.
ولعل التأخر في تزويج البنت في الدرجة الأولى لأسباب سنتطرق إليها, وتجاوزها سن الثلاثين (وهو سن نسبي للعنوسة في هذه المجتمعات) يشكل العبء الأكبر على كاهل الفتاة لما تعيشه من انعكاسات وضغوط نفسية تأخذ طابعين الأول ذاتي (نظرتها إلى ذاتها) , والآخر اجتماعي (نظرة المجتمع إليها).
أسباب العنوسة:
وقد تختلف أسباب العنوسة من مجتمع لآخر باختلاف ظروفه الاجتماعية والاقتصادية, إلا ان بعض المختصين يتفقون على الخطوط العريضة لهذه الأسباب, ومن أبرزها:
- رفض البنت للزواج: بعض الفتيات نتيجة للخلافات التي تحصل بين الأم والأب ، تاخذ فكرة عن باقي الرجال بأنهم من جنس أبيها فهي لم تتعامل مع غيره وبالتالي تمتنع عن الزواج لأن صورة الرجل قد تشوهت في ذهنها.
- إكمال التعليم : فكثير من الفتيات ينشغلن بالتعليم بل يدفعهن طموحهن إلى الرغبة في الحصول على شهادات عليا وبتدعيم من أهلها وتشجيعهم تستمر الفتاة في الدراسة حتى إذا وصلت إلى سن متأخرة وجدت نفسها بدون زواج.
- سمعة الوالدين : مما يتسبب عنه تحاشي الناس خطبة الفتاة لسوء سلوك والدها أو أمها .
- تدني مستوى الجمال بالنسبة للفتاة.
- الحب الشديد للبنت من قبل والديها وخوفهم عليها من زوج لا يرحم .
- عدم تقدم الشاب المناسب في نظر الأب.
- عيب خلقي أو صحي في الفتاة.
- غلاء المهور وتشدد الأهل في الطلبات, والشروط التعجيزية التي يفرضونها على المتقدم لخطبة ابنتهم.
- معتقدات وأفكار معينة قد تطغى على تفكير الفتاة كاعتقادها أن فارس أحلامها لم يولد بعد، ولا أحد يستحق جمالها .
- توجه الشباب للزواج من خارج مجتمعاتهم (الاجنبية منها بالذات).
- الشروط التعجيزية التي يفرضها والدا الفتاة على الزوج مما يدفعه إلى العدول عن الزواج بابنته .
- الطمع في راتب الفتاة: بعض الآباء ينسون أبوتهم ولا يفكرون إلا في المال , فيتسببون في حرمان بناتهم من الزواج ومن السعادة لأن لها راتبا يقبضه الأب على رأس كل شهر وزواجها معناه فقدانه .
أسباب أخرى للعنوسة
وتشير دراسات أخرى بأن معدل العنوسة في الوطن العربي بلغ حدا مخيفا، ليس بسبب تدني معدلات الزواج -لأسباب عدة- فحسب، بل أيضا بسبب الاختلال بين عدد الذكور وعدد الإناث، فقد أثبتت احدى الدراسات أن نسبة عدد النساء إلى الرجال في الوطن العربي تميل لصالح النساء، ما من شأنه دخول مشكلة العنوسة في نفق مظلم.
نماذج من المجتمعات العربية
يقول الكاتب اليمني علي سالم عن العنوسة في اليمن عند شريحة الفتاة العاملة والمتعلمة: بأنها " باتت هما يؤرق الكثير من الفتيات اليمنيات ويضعهن امام تحد كبير، خصوصاً في ظل استمرار النظرة الاجتماعية غير المحبذة للزواج من الجامعيات والموظفات، خصوصاً العاملات في مجالات على صلة مباشرة بالجمهور مثل الإعلام والتمثيل. ويعاني المجتمع اليمني من ظاهرة تسرب الفتيات في مراحل التعليم التكميلي للحاق بقطار الزواج خوفاً من مصير العنوسة الذي واجه بعض قريباتهن ومعارفهن".
ويتابع قائلا: " أن أثراً سلبياً تركته تجربة بعض اليمنيات اللواتي سعين الى مواصلة التعليم وخوض غمار العمل حتى ولو جاء ذلك على حساب حياتهن الخاصة. والواضح أن ارتفاع نسب العنوسة يعزز الاتجاه التقليدي القائل بأن المصير الطبيعي للبنت هو الزواج والبيت والأولاد. وغدت العنوسة اشبه بلعنة تقع على الانثى فيما يبقى الرجل خارجها وإن تقدم في السن. وفي مجتمع محافظ مثل المجتمع اليمني إذ تنعدم العلاقات السوية بين الفتى والفتاة تتضاعف معاناة الفتيات غير المتزوجات وتصبح العزوبية اشبه بعيب يثقل كاهل الشابة كلما تقدم بها العمر".
ويذكر أمثلة على ذلك: "أمل الطالبة في ثانوية اروى للبنات في صنعاء قالت أنها لن ترفض الزواج اذا ما عرض عليها عقب تخرجها في الثانوية. وقالت: «حتى اذا كان الشرط هو عدم مواصلتي الدراسة الجامعية فلن أمانع اذا تقدم لي شخص مناسب، فيه المواصفات التي اتمنى أن تكون في رجل احلامي». وأشارت أمل الى أن ذلك ربما كان أفضل من الندم في حال كابرت او أصرّت على الدراسة قبل الزواج.
ويشير إلى "رضية" الطالبة في كلية الزراعة في جامعة صنعاء التي قالت "أن طبيعة التقاليد الاجتماعية تفرض على الفتاة الجامعية الاذعان لواقعها، مشيرة الى أنها لو تقدمت في العمر ولم تتزوج غدت محل همس وغمز ومعايرة من قريناتها". واعتبرت رضية الشباب أكثر تخلياً عما يكتسبونه من تعليم ووعي يفترض بهم التمايز منوهة بأن الكثير من الشباب يرفض الزواج من زميلته في الجامعة أو العمل ويذهب الى من هي أدنى منه مرتبة في التعليم أو المهنة. وتؤكد رضية أن كثيرات من الفتيات يفضلن أن يكن زوجة ثانية بدلاً من الوقوع في «وصمة العنوسة».
وفي السعودية تقف مشكلة غلاء المهور في مقدمة الأسباب التي أدت إلى ارتفاع معدلات العنوسة. ففي مدينة نجران جنوب المملكة العربية السعودية قاد الأمير مشعل بن سعود أمير المنطقة حملة التكتل ضد العنوسة باجتماعه بمشايخ وأعيان نجران لوضع ضوابط جديدة وحلول منطقية لمعاناة الشباب من الغلاء ومعاناة الفتيات من العنوسة التي تهدد مستقبلهن، بينما عمدت المنطقة الشرقية في السعودية إلى تخفيض تكاليف الزواج بالزواجات الجماعية لتخفيف الأعباء على العريس وتشجيع الزواج.
وفي هذا الصدد يقول الباحث السعودي فهد الشمري بأن العنوسة لم تكن مشكلة اجتماعية بارزه في مجتمعنا في الماضي القريب بل تكاد تكون محدودة وهامشية وإذا وجدت فتأخذ طابعا شبه اشتثنائي ومعزول. وبالنظر الى التطورات الحاصلة فهى تطورات محمودة وإيجابية الطابع فانتشار التعليم وارتفاع المستوى المادي كلها أمور تبدو وللوهلة الأولى تطورات من شانها أن تيسر الزواج , فالتعليم مثلا من المفروض أن يجعل الزواج ايسر بحكم أن العلم نور تسري فوائده الى حل المعضلات "والزواج أحداها" . كما أن ارتفاع المستوى المعيشي من المفروض كذلك أن يكون عونا في هذا الشان إلا أن الملحوظ غير ذلك . فالمستوى المادي المرتفع زاد من العنوسة على الرغم أن الباءة الموصى عليها في الحديث الشريف المعروف " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" ترتبط ارتباطا مباشرا بالقدرة المادية وارتفاع المستوى المعيشي من المفروض أن يكون عونا على الباءه المذكورة. وارتفاع مستوى الدخل تمثل بالقدرة على شراء الكماليات الحياتية المختلفة من سيارات و خدم وسائقين وغير ذلك من المظاهر الاستهلاكية ولكن الزواج ظل بعيدا عن هذه المعادلة المحيرة والمثيرة للاستغراب . أليس من المفروض أن ينعكس اثر التعليم والمستوى المادي المرتفع على التفكير الاجتماعي وبالتالي يخفف من مشكلة العنوسة في مجتمعنا ؟. ( يتساءل الشمري).
وفي الأردن كشفت دراسة أردنية حديثة عن وجود 87 ألف فتاة تخطين سن الزواج، إلا أن البعض يرى أن الرقم لا يمثل أية خطورة، وذلك في ضوء العدد الكلي للسكان في المملكة.. وفي كل الأحوال يُعَدّ ذلك الرقم بمثابة جرس إنذار بدأ يضرب بقوة في المجتمع الأردني، محذرًا من زحف المشكلة وتضخمها.
العنوسة التي تُعَدّ شبحًا يتربص بمجتمعاتنا العربية، وصلت الأردن مع تدني مستوى الدخل، وارتفاع تكاليف الحصول على مسكن، وانتشار التعليم العالي بين الشباب من الجنسين، وأصبح حلم الزواج بعيد المنال أمام الجنسين على السواء، بما ينبئ بتفشي المشكلات الاجتماعية في البلاد.
وأوردت الدراسة التي أجرتها جمعية العفاف الخيرية، التابعة للحركة الإسلامية في الأردن، أن متوسط عمر المتزوجين للمرة الأولى من الذكور ارتفع من 20 عامًا في عام 1961 إلى نحو 29 عامًا في 2006، وللإناث من 17.6 عاما إلى 27 عامًا خلال نفس الفترة.
وأضافت أن تحمل الزوج للديون الناجمة عن تكاليف الزواج أدى إلى تفاقم المشكلات في السنوات الأولى من الحياة الزوجية، بما أثر بدوره على الاستقرار الأسري؛ حيث إنه قاد إلى الطلاق في كثير من الأحيان، خصوصًا خلال السنوات الثلاث الأولى من الزواج.
وكانت جمعية العفاف قد بدأت منذ العام 1997 وحتى الآن في تنظيم حفلات زفاف جماعية كمحاولة منها لمساعدة الشباب غير القادرين على الزواج.
يقول "محمد محمد" في تعليقه على نتائج الدراسة "أنه لا يوجد بيت في الأردن إلا وبه عانس والأسباب كثيرة، ومنها الغلاء الفاحش في مواجهة الرواتب المتدنية.. وارتفاع أجرة المساكن، بالإضافة إلى المغالاة في المهور من قبل بعض العائلات".
ومن جهته، يشير "محمود زيد" -معلقا على نتائج الدراسة عينها- بأصابع الاتهام إلى عمل المرأة، قائلاً: "لو أن النساء غير المحتاجات للعمل يجلسن في بيوتهن ويفسحن المجال للشباب لحلت هذه المشكلة من جذورها"، ويذكر "زيد" بقوله تعالى: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ".
في ذات السياق تقول د. حنان طقش، المستشارة النفسية في مكتب الأسرة السعيدة للاستشارات النفسية بالأردن تعليقًا على الدراسة: يبدو أن تعداد العوانس كبير في صورته المجردة حين نقول 87 ألف فتاة؛ فهو عدد لا يستهان به، لكن حين ننظر له من خلال تعداد السكان العام في الأردن والذي تشير إحصاءاته إلى أنه يبلغ 5.3 ملايين نسمة نجد أن نسبة العوانس تمثل فقط 1.64% من مجموع السكان.
وتشير إلى أن العنوسة مشكلة اجتماعية لا شك، ولكنها ليست مشكلة ضاغطة على المجتمع الأردني من حيث النسبة العامة ولا من حيث تعاملها المباشر كطبيبة نفسية مع الحالات.. فما زالت مشكلات المتزوجات سواء الزوجية أو الأسرية أعلى وأكثر تعقيدًا.
وتوضح أن العوانس كفِئة اجتماعية تحظى بصورة نمطية سلبية ليس لعيب فيها أو لخصائصها كفئة بقدر ما هو ميل مجتمعاتنا العربية نحو التصنيف والنيل من الآخرين، تمامًا كما يحدث مع بعض المهن التي تحظى في مجتمعاتنا بصور نمطية سلبية، وأيضًا بعض التخصصات الدراسية.
المصدر: نافذة الخير
موضوعات ذات صلة
ملف العنوسة
العنوسة.. تعددت الأسباب.. والحلول عديدة!!
العنوسة الناجحة
لكي لا تمنعني العنوسة من الانتباه إلى نفسي وتطوير ذاتي.
مشكلة العنوسة : رؤية نفسية.
عنوسة أبنائنا من صنع أعدائنا.
تأخر سن الزواج : الواقع والمأمول.
مساعدة المقبلين على الزواج.. صور مشرقة لتكافل المجتمع.
مكاتب الزواج.. ماذا تفعل في الخفاء؟!.
الجمعيات الخيرية والجهود الفردية تواجه العنوسة.
"الزواج الجماعي".. هل يساعد في حل مشكلة العنوسة؟
العنوسة تؤرق المجتمع وتهدد استقراره
لكم يا أهل العوانس !!