الصفحة الرئيسية

|

من نحن

|

مستشارون

|

اتصل بنا

|

أضفنا لمفضلتك

|

اجعلنا صفحة البداية

 

 

 
 
حقوق الإنسان فى التكافل الاجتماعي
خير أون لاين- 10/12/2007

 

بقلم : د. محمد عمارة

عندما سقطت " الشمولية ـ الشيوعية ", ارتفع صوت " الليبرالية ـ الرأسمالية ", زاعمة أنها هى " نهاية التاريخ", وأن " صراع الحضارات" هو السبيل إلى فرض وعولمة نموذجها على العالمين .

لكن المشهد " الاقتصادى ـ الاجتماعى " العالمى لهذه " الليبرالية ـ الرأسمالية " قد غدا مخيفا فى مظالمه المتوحشة, إلى الحد الذى دفع ويدفع قطاعات حتى من أنصار هذه " الليبرالية ـ الرأسمالية" إلى البحث عن " طريق ثالث " ـ غير الشيوعية والرأسمالية ـ لكنهم يلتمسونه طريقا " رأسماليا معدلا " .. ولم يفكر أى منهم فى الانعطاف نحو فلسفة الإسلام فى الأموال والثروات, ونموذجه فى العدل والتكافل والمساواة وحقوق الإنسان .

وإذا كانت الماركسية ـ وشيوعيتها ـ قد سبق وقتلت فى ثلث الإنسانية روح المبادرة والخلق والإبداع, فضلا عن محاربتها للتدين ومطاردتها للإيمان, فإن الرأسمالية المتوحشة قد وضعت كل الإنسانية فى " مأساة عبثية " لا أعتقد أن لها نظيراً فى التاريخ ..

• إن 225 فردا ـ من أبناء الشمال ـ يملكون ما يساوى ملكية مليارين ونصف المليار من أبناء الجنوب ـ أى نصف البشرية المعاصرة ! و3 أفراد ـ فى أمريكا ـ يملكون ما يساوى ملكية 48 دولة ـ أى قرابة ثلث أعضاء الأمم المتحدة !..

• ونفس المشهد نجده فى الاستهلاك .. فـ 20% هم أبناء الحضارة الغربية ـ سكان الشمال ـ يستهلكون 86% من الإنتاج العالمى ..

• وبسبب تركز الثروات, ومن ثم الاستهلاك المترف, فى يد القلة, تركز الفقر وانعدام القوة الشرائية فى جانب الكثرة الكاثرة .. الأمر الذى جعل رأس المال العالمى ينصرف عن الاستثمار الإنتاجي والتجاري والخدمي إلى السمسرة والمقامرات والمضاربات وصناعة السلاح وتجارة المخدرات .. فلقد بلغ حجم الأموال السائلة الهائمة فى المضاربات 100 تريليون دولار, بينما تقلص حجم الأموال الموظفة فى الإنتاج والتجارة إلى 3.5 تريليون !..

• ونفس المشهد البائس والمتوحش نجده فى نسبة ما ينفق ـ من الإقتصاد العالمي ـ على الدمار والترف إلى نسبة ما ينفق على ضرورات وحاجات الناس ..
فـ 870 بليون دولار هى حجم الإنفاق على التسلح..
و 400 بليون دولار هى حجم الإنفاق على المخدرات ..
و 105 بليون دولار هى حجم الإنفاق على الخمور فى أوربا وحدها..
و 67 بليون دولار هى حجم الإنفاق على القطط والكلاب المنزلية فى أوربا واميركا وحدهما..
بينما لايزيد ما ينفق على التعليم فى العالم كله عن 6 بليون دولار!.. وما ينفق على التغذية والصحة معا لايتعدى 13 بليونا!.. أى أن ما ينفق على التسلح والمخدرات والخمور والقطط والكلاب هو 1442 بليون دولار .. وما ينفق على كل من التعليم والتغذية والصحة لايتعدى 19 بليونا, فقط لاغير!..

• وهذا الخلل الفاحش, في التملك.. وفي الاستهلاك.. وفي الإنفاق, قد أدى إلى ذات الخلل الفاحش فى توظيف طاقات العلم الكونى المعاصر, فـ 90% من علماء العالم يعمل أغلبهم, بشكل مباشر أو غير مباشر, في صناعة السلاح والدمار .. بينما لايعمل فى العلم النافع ـ بمختلف ميادينه ـ سوى 10% من العلماء!..

• ولم يقف هذا الخلل عند هذه المعالم الكالحة في توحشها.. وإنما انعكس في صورة نزيف " الديون .. وفوائدها الفاحشة " لحساب القلة الغنية, وعلى حساب 80% من سكان العالم, القاطنين في الجنوب. فالشركات متعددة الجنسية تقترض الدولارات من أغنياء " وال ستريت " بفائدة 6% وتقرضها بفائدة تتراوح بين 20% و50% لفقراء الجنوب .. حتى غدت صادرات الفقراء ـ 80% من سكان العالم ـ لاتكاد تفى بسداد فوائد الديون وخدمتها .. وليس سداد نفس الديون!.. وفى دول إفريقيا جنوب الصحراء يخصص لسداد فوائد الديون أربعة أضعاف ما يخصص للصحة والتعليم!..
• وهذا التفاوت المتوحش بين الشمال والجنوب, نجده متجسدا فى داخل حضارات الجنوب ـ بين تخمة الترف وبين الفقر المدقع ـ .. ففى داخل الحضارة الإسلامية تتفاوت دخول الأفراد ما بين 31165 دولار و100 فقط لاغير !..

أمام هذا المشهد " المأساوى ـ العبثى " غير المسبوق فى تاريخ الحضارات الإنسانية, والمنذر بتصاعد حدة ومخاطر الأزمات والمآسى ـ والذى تريد " العولمة " فرضه على الإنسانية بأسرها ـ يتزايد الإلحاح على العقل المسلم كى يقدم مبادئ الإسلام الاجتماعية فى العدل والتكافل والمساواة, وفلسفة الإسلام فى الأموال والثروات, طريقا متميزا لإنقاذ عالم الإسلام ـ أولاً ـ من هذا المأزق الرأسمالى المتوحش, ثم لترشيد النظام المالى والاجتماعى العالمي بهدى الإسلام .

عدالة الاستخلاف .
إن مفتاح الفلسفة الإسلامية فى الاجتماع والاقتصاد يبدأ بنظرية الاستخلاف .. فالله, سبحانه وتعالى, هو الحق البارئ والراعى والمدبر للخلق.. ولقد شاء الله أن يستخلف الإنسان.. مطلق الإنسان, وليس فقط " الفرد " أو " الطبقة " ـ فى عمران الأرض, وفى حيازة واستثمار الثروات والأموال والانتفاع بها, وذلك وفق بنود عقد وعهد الاستخلاف ـ التى حددت الشريعة أصولها ومبادئها وقواعدها.. وتركت تفصيلاتها لفقه المعاملات ـ .

فعندما أراد الله, سبحانه وتعالى, خلق آدم عليه السلام, أنبأ ملائكته أنه سيتخذه فى الأرض خليفة, يحمل أمانة العلم والاختيار والتكليف, نهوضا برسالة عمرانها وزينتها, فقال : { وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم مالا تعلمون{.

ولقد تميزت مكانة الإنسان فى الكون, وعلاقته بالثروات والأموال ـ امتلاكا .. واستثمارا .. وإنفاقاً ـ بفلسفة الإسلام فى الاستخلاف .. فمكانة هذا الإنسان هى مكانة الخليفة, المفوض فى عمارة الأرض, الحر المختار المكلف المسئول ـ لأن هذه هى الشروط الضرورية التى تلزم لنهوضه برسالة استعمار الأرض ـ .. وأيضاً, فإن مكانة الخليفة تضع إطاراً ضابطا على هذا التفويض والاختيار والحرية, متمثلاً فى بنود عقد وعهد الاستخلاف, أى الشريعة الإلهية, التى تمثل معالم وضوابط وآفاق هذا الاستخلاف.

فهذا الإنسان المستخلف, ليس هو المجبر المهمش الذى ليس له من الأمر شئ.. وهو ـ كذلك ـ ليس سيد الكون, المكتفى بذاته, والمستغنى باختياره عن رعاية وتدبير الله الخالق والمستخلف لهذا الإنسان.. إنه سيد فى هذا الكون, وليس سيد الكون.. وبعبارة الإمام محمد عبده )1265 ـ 1323 هـ 1849 ـ 1905م ) : " هو عبد لله وحده, وسيد لكل شئ بعده".

وتفريعا على هذا المعنى الكلى للاستخلاف, تميزت وتتميز الرؤية الإسلامية لنطاق حرية وعلاقة الإنسان ـ الخليفة ـ بالثروات والأموال, ومن ثم النظام الاجتماعى فى الإسلام.. فالإنسان ـ فى هذه الرؤية ـ خليفة ومستخلف، تحكم حرياته وعلاقاته بالثروات والأموال بنود عقد وعهد الاستخلاف فى العدل والتكافل والمساواة, التى تحقق التوازن بين الفرد والطبقة والأمة فى التملك والاستثمار والإنفاق.

إن المالك الحقيقى ـ مالك الرقبة ـ فى الأموال والثروات هو خالقها ومفيضها فى الطبيعة, الله سبحانه وتعالى.. وهو الذى سخرها, كغيرها من قوى الطبيعة وكنوزها, ليرتفق بها الإنسان ـ ارتفاق تسخير ـ بمعنى الأخوة ـ لا ارتفاق سخرة ـ بمعنى القهر ـ استعانة بها على أداء مهام الاستخلاف ـ عمارة هذه الأرض وتزيينها.

وللإنسان في هذه الثروات والأموال ملكية المنفعة, المجازية, ملكية الوظيفة الاجتماعية, التى تتيح له حرية الاختصاص, والاستثمار والتنمية, والانتفاع, المحكومة ببنود وعهد الاستخلاف, من المالك الحقيقى, لهذا الإنسان فى هذه الثروات والأموال.

وهذا المعنى للاستخلاف, فى الأموال والثروات ـ كما هو شأن الوسطية الإسلامية ـ لايجرد الإنسان من حق الملكية للثروات والأموال .. وأيضاً لايرفع الضوابط عن حريته فى التملك والتصرف .. وإنما يقف بهذه الحرية عند " حرية الخليفة " المحكومة بإرادة وأوامر ونواهى المالك الحقيقى للأموال والثروات.

ولمعنى الاستخلاف هذا جاء التعبير بمصطلح " الحق " عن ماللآخرين فى مال الإنسان { والذين فى أموالهم حق معلوم . للسائل والمحروم }, وجاءت إضافة مصطلح " المال " فى القرآن الكريم, إلى ضمير " الجمع " فى سبع وأربعين آية ـ فالجمع هو الإنسان المستخلف ـ بينما جاءت إضافته إلى ضمير " المفرد " فى سبع آيات, كى لايستأثرالفرد ويستغنى .. أيضاً, كى لا يحرم من حق الاختصاص والحيازة والملكية, المحكومة بفلسفة وضوابط الاستخلاف.

فللإنسان مال .. لكنه فى نفس الوقت مال الأمة .. وبعبارة الإمام محمد عبده :" إن تكافل الأمة يعنى " أن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم!" .. وبعبارة الزمخشرى { 467 ـ 538 هـ 1075 ـ 1144م } ـ ( الكشاف) ـ وهو يفسر قول الله سبحانه وتعالى : { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } : " إن مراد الله من هذه الآية هو أن يقول للناس : إن الأموال التى فى أيديكم إنما هى أموال الله, بخلقه وإنشائه لها, وإنما مولكم إياها, وخولكم الاستمتاع بها, وجعلكم خلفاء فى التصرف فيها, فليست هى أموالكم فى الحقيقة, وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب.."
هذا هو معنى الاستخلاف فى ميدان الثروات والأموال.

عدالة الوسطية المتوازنة
العدل ـ في المصطلح الإسلامى ـ هو الضد والمقابل للجور والظلم .. لا بالمعنى السلبي فقط, أي نفى الجور والظلم وغيبتهما.. وإنما بالمعنى الإيجابي, المتمثل في سيادة " الوسطية الإسلامية الجامعة " التي لا تنحاز إلى قطب واحد من قطبي الظاهرة, وكذلك لا تنعزل عنهما معا ولا تغايرهما كل المغايرة, وإنما تجمع عناصر العدل والحق فيهما, مكونة الموقف العادل بين ظلمين, والحق بين باطلين, والمعتدل بين تطرفين.. فالعدل : هو التوسط .. والوسطية الجامعة لعناصر الحق من أقطاب الظواهر موضوع الدرس ومحل النزاع والاستقطاب.

وهذا المعنى للعدل ـ في المصطلح الإسلامي ـ هو الذي يشير إليه حديث رسول الله, صلى الله عليه وسلم, الذي يقول : " الوسط : العدل .. جعلناكم أمة وسطا "
والعدل ـ في شرعة الإسلام ـ فريضة واجبة, وضرورة من الضرورات الاجتماعية والإنسانية, وليس مجرد " حق " من الحقوق, التي لصاحبها أن يتنازل عنها إن هو أراد ذلك, أو أن يفرط فيها, بالإهمال, دون وزر وتأثيم .. إنه فريضة واجبة, فرضها الله سبحانه وتعالى, على الكافة دون استثناء, بل لقد فرضها على ذاته, سبحانه, بالمعنى اللائق بذاته, حتى لقد جعلها اسما من أسمائه الحسنى.. وفرضها على رسوله, صلى الله عليه وسلم, وأمره بها : { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم }.الشورى15.وفرضها على أولياء الأمور, من الولاة والحكام والرعاة, تجاه الرعية والمتحاكمين : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً } النساء 58.

بل لقد أنبأنا الله, سبحانه وتعالى, أن هذه " الأمانة " التي فرض على الإنسان حملها وأداءها, كانت هي المعيار الذي تميز به الإنسان وامتاز عن غيره من المخلوقات غير المختارة : { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً } الأحزاب72. .. ومن المفسرين من قالوا : إنها أمانات الأموال, والعدل بين الناس فيها.. وفرضها معيارا للعلاقة بين الرعية وبين أولى الأمر ـ الدولة والسلطان ـ يشير إليه حديث رسول الله, صلى الله عليه وسلم, الذي يحدث الولاة عن تكافؤ " العقد " بينهم وبين رعيتهم, محذرا إياهم من التفريط بما عليهم تجاه الرعية, في سياق حديثه إلى الرعية عن علاقتهم بالولاة والأئمة : " إن لهم ـ ) الأئمة ( ـ عليكم حقا, ولكم عليهم حقا مثل ذلك, ما إن استرحموا رحموا, وإن عاهدوا وفوا, وإن حكموا عدلوا, فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.." .

والعدل فريضة في مجتمع الأسرة ـ الذي هو لبنة بناء مجتمع الأمة ـ يشير إليها حديث رسول الله, صلى الله عليه وسلم, الذي يقول فيه :" اعدلوا بين أبنائكم".. وتعنيه الآية القرآنية التي تقرر ما للمرأة وما عليها: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }البقرة228 .. وتلك التي تعلق التعدد في الزوجات على تحقيق العدل بينهن : { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } النساء 3 .

إنها ـ العدالة ـ فريضة شاملة لكل ميادين الحياة : عدل الولاة في الرعية .. وعدل القضاة في المتحاكمين.. وعدل الإنسان في أهل بيته.. ولهذا الشمول كانت إشارة حديث رسول الله, صلى الله عليه وسلم, الذي يقول فيه " المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن, عز وجل, وكلتا يديه يمين, الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " .

ويستوي في وجوب العدل, أن يكون تجاه الغير أو حيال النفس .. بل إن تحريم الإسلام ظلم الإنسان أن يتنازل عن " حقه " فيه فيظلم نفسه! { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا }. النساء 97 ـ 99.

وحتى هؤلاء المستضعفين, فرض الله على القادرين الجهاد لتحريرهم من الاستضعاف :{ ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا }النساء 75.

وتؤكد هذا المعنى ـ تأثيم ظلم الإنسان لنفسه ـ الآية الكريمة : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعلمون. فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } النحل 28, 29
كذلك يستوي في وجوب العدل أن يكون تجاه " العدو " كما هو واجب تجاه " الولي ".. فالعدل شيء و " الموالاة " ـ أي النصرة ـ شيء آخر ..

وإذا كان الإسلام ينهى المسلمين عن موالاة أي نصرة ـ أعدائهم, الذين يقاتلونهم في الدين أو يخرجونهم من الديار, أو يظاهرون على إخراجهم منها.. فإنه يوجب عليهم العدل حتى مع الأعداء, ومع من يكرهون!: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } المائدة { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً } النساء 135 .

وإذا كان العدل فريضة واجبة, وضرورة اجتماعية للإنسان وعليه, تجاه نفسه, وتجاه الآخرين, موالين ومحبوبين كان هؤلاء الآخرون, أم معادين مكروهين, فإنه كذلك فريضة وضرورة في مختلف الميادين, في القانون وأمامه, وفى الشئون الأدبية والمعنوية, وفى أمور المال والثروة والاقتصاد والمعاش .. أي التكافل الاجتماعي.

التكافل .. والمساواة .
التكافل : هو التضامن والإعالة والرعاية, على النحو الذي يجبر القصور الحادث لدى طرف من أطراف علاقة التكافل .. فهو تفاعل بين طرفين أو أكثر.. والتكافل الاجتماعي : نظام يقيم علاقة التفاعل والتضامن والإعالة والرعاية بين أعضاء الاجتماع الإنساني في مجتمع من المجتمعات..
وإلى هذا المعنى تشير الآيات القرآنية : { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم }آل عمران 44 و { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } القصص 12 و { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } النحل 91.
والتكافل الاجتماعي, في الفلسفة الاجتماعية الإسلامية, مؤسس على القاعدة الإسلامية الكلية, قاعدة إرادة الله, سبحانه وتعالى, قيام التوازن والموازنة والميزان بين الأفراد والطبقات والجماعات والأطراف, في مختلف أمم وأنواع المخلوقات ..

لقد تفرد الخالق, سبحانه وتعالى, بالوحدانية, ليشركه فيها مخلوق من المخلوقات.. فجميع من عداه وما عداه ـ في كل عوالم الخلق ـ قائم على التعدد والتزاوج .. ولذلك كانت فلسفة الإسلام, لإقامة العدل, والعلاقة الصحية بين الأزواج والمتعددين, في الميول والمصالح والطاقات والإمكانات والاحتياجات والمقاصد, هي التوازن والموازنة, أي التكافل, الذي يقيم ويحافظ على نسيج الاجتماع, وذلك حتى لا يسير التناقض والتنافر بالأطراف المختلفة إلى الصراع والدمار.

فعدل الله, سبحانه وتعالى, هو " الميزان", الذي أنزله الله مع الكتاب لتستقيم كل شئون الاجتماع, ومنها شئون الاجتماع الإنساني.. { الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } الشورى 17. { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } الحديد25. .. فالعدل الإلهي هو أداة " التوازن " في مختلف ميادين الحياة..
ولأن الله قد استخلف الإنسان ـ مطلق الإنسان ـ في الثروات والأموال, فلقد حدد للخلفاء والوكلاء ـ المستخلفين في الثروات والأموال ـ المعالم التي تقيم التكافل بينهم وتحقق التوازن لهم في هذه الأموال والثروات, معالم التكافل والتضامن والاشتراك, المؤسس على حل مصدر الحيازة, وحل أنواع الإنفاق والتنمية والاستثمار, والاكتفاء في الاختصاص بحد الكفاية, وتدوير ما زاد عن ذلك للصالح العام لعموم المستخلفين ..

فما زاد عن كفاية " التكافل الخاص " ينفق ويوظف لإقامة " التكافل العام ".. والإنفاق ـ في العرف الإسلامي ـ لا يقف عند الصدقات, وإنما هو مطلق توظيف المال الحلال في كل وجوه الاستثمار في جميع ميادين النفع والتكافل العام..
وهذا التكافل الاجتماعي الإسلامي في شئون المعاش ـ المادية والاجتماعية ـ لا يعنى " المساواة الحسابية " بين أفراد المجتمع, وإنما يعني " التوازن " الذي يحقق حد الكفاية للجميع, وضبط التفاوت بضوابط الحلال الديني والكفاءة في العطاء, مع وضع سقف للتفاوت يمنع الاحتكار والأثرة والطغيان.. إنه المحقق لغنى الكفاية للجميع, مع فتح أبواب الثراء أمام الكفاءات والإمكانات, بعيدا عن " الكنز " المعطل لدوران عجلة التنمية والاستثمار, وبعيداً عن " الاستفراد " الذي هو المقدمة للطغيان..

وعن هذه الفلسفة التكافلية, التي حققها الإسلام في الثروات والأموال, تحدث الفاروق عمر بن الخطاب, رضي الله عنه, عندما قال : " والذي نفسي بيده, ما من أحد إلا وله في هذا المال حق, أعطيه أو مُنعه! وما أحد أحق به من أحد.. وما أنا فيه إلا كأحدهم!.. فالرجل وبلاؤه.. والرجل وقدمه.. والرجل وغناؤه.. والرجل وحاجته"..

وتحدث الإمام على بن أبى طالب, كرم الله وجهه, فقال : " إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء, فما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني!.. إن الغنى في الغربة وطن! والفقر في الوطن غربةّ! وإن المقل غريب في بلدته!.." ..
إنه " الميزان ", يعتدل " بالتكافل ", ويختل بغيبته, فما جاع فقير إلا بما متع به غنى!.. وهو " حق " معلوم.. أي فريضة إلهية, وتكليف شرعي ..

أما خامس الراشدين, عمر بن عبد العزيز, رضي الله عنه, فلقد رسم لهذا التكافل الاجتماعي ـ الذي أعاد العدل لموازينه بعد أن اختلت ـ صورة فلسفته الإلهية, عندما قال: " إن أهلي أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذه, ولا لهم أن يعطونيه!.. وإن الله, تبارك وتعالى, قد بعث محمدا, صلى الله عليه وسلم, رحمة إلى الناس كافة, ثم اختار له ما عنده, فقبضه إليه, وترك للناس نهرا يشربهم فيه سواء!.. ثم قام أبو بكر فترك النهر على حاله, ثم ولى عمر فعمل على عمل صاحبه, فلما ولى عثمان اشتق من ذلك النهر نهراً !, ثم ولى معاوية فاشتق منه الأنهار!. ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد, ومروان, وعبد الملك, والوليد, وسليمان, حتى أفضي الأمر إلىّ, وقد يبس النهر الأعظم!ولن يروى أصحاب النهر حتى يعود إليهم النهر الأعظم على ما كان عليه"

ذلك أن غيبة التكافل الاجتماعي إنما تعنى حلول " الخلل " محل " التوازن والاتزان والتضامن" بين الجماعة الإنسانية في المجتمع, فيتركز الثراء في جانب, ويتركز الفقر في جانب.. ولذلك كان مجتمع " التكافل الاجتماعي " هو النقيض لمجتمع " دولة الأغنياء ", الذي تحدث عنه القرآن الكريم في كثير من الآيات, منها: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامي والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } الحشر 7. ومنها, تلك الآية التى تعلمنا سنة الله في الاجتماع الإنساني.. سنة أن الاستغناء والاستفراد والأثرة والاستئثار لابد وأن تكون المقدمة المفضية إلى الطغيان!.. { كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى }العلق 7.6.

ومنها, الآيات التي تتحدث عن أن غيبة " تكافل التوازن الاجتماعي ", عندما تفضي إلى " خلل تركز الثروات في جانب, وتركز الفقر في جانب آخر", ستثمر ترف القلة, المفضي إلى البطر والضلال والكفر, { وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون. وقالوا نحن أكثر أموالا وأولاداً وما نحن بمعذبين}سبأ 34و35. { قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد}هود 87.

وهى ـ الترف ـ ذات السنة التي تؤدى إلى انهيار الحضارات وتراجع العمران { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} الإسراء 16 .. فالدمار هو اختلال التوازن, وتقطيع روابط التكافل, الذي يتأسس عليه العمران..
المصدر: موقع المستشار

عودة لصفحة القسم عودة للصفحة الرئيسة
جميع حقوق النشر محفوظة لموقع خير أو لاين © khieronline.com